ابن أبي الحديد
203
شرح نهج البلاغة
انصرفوا ، ثم بعث عبيدة ، فأخبره ، وقال له : أنا لا أقار على الفاحشة ، فقال : بهتوني ( 1 ) يا أمير المؤمنين فما ترى ؟ قال : إني جامع بينك وبينهم ، فلا تخضع خضوع المذنب ، ولا تتطاول تطاول البرئ ، فجمع بينهم ، فتكلموا ، فقام عبيدة ، فقال : بسم الله الرحمن الرحيم ، ( إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم ) . . . حتى تلا الآيات ( 2 ) ، فبكوا وقاموا إليه فاعتنقوه ، وقالوا : استغفر لنا . ففعل ، فقال عبد ربه الصغير مولى بنى قيس بن ثعلبة : والله لقد خدعكم ، فتابع عبد ربه منهم ناس كثير ، ولم يظهروا ، ولم يجدوا على عبيدة في إقامة الحد ثبتا ( 3 ) . * * * وكان قطري قد استعمل رجلا من الدهاقين ، فظهرت له أموال كثيرة ، فأتوا قطريا ، فقالوا : إن عمر بن الخطاب لم يكن يقار عماله على مثل هذا ، فقال قطري : إني استعملته ، وله ضياع وتجارات ، فأوغر ذلك صدورهم ، وبلغ المهلب ذلك ، فقال : اختلافهم أشد عليهم منى ، ثم قالوا لقطري : ألا تخرج بنا إلى عدونا ؟ فقال : لا ، ثم خرج فقالوا : قد كذب وارتد ، فاتبعوه يوما ، فأحس بالشر ، ودخل دارا مع جماعة من أصحابه ، فاجتمعوا عليه وصاحوا : اخرج إلينا يا دابة ، فخرج إليهم فقال : أرجعتم بعدي كفارا ! قالوا : أولست دابة ! قال الله تعالى : ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ) ( 4 ) ، ولكنك قد كفرت بقولك . ( إنا قد رجعنا كفارا ) ، فتب إلى الله . فشاور عبيدة في ذلك ، فقال له : إن تبت لم يقبلوا منك ، فقل : إني استفهمت فقلت : ( أرجعتم بعدي كفارا ؟ ) فقال لهم ذلك ، فقبلوا منه ، فرجع إلى منزله .
--> ( 1 ) بهتوني : قالوا على ما لم أفعل . ( 2 ) سورة النور 11 - 20 ( 3 ) ثبتا ، بالتحريك ، أي حجة . ( 4 ) سورة هود 6 .